إخوان الصفاء
284
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
تلك الصورة مصنوعة ؛ ومن الصّنّاع من يستعمل النار كالجرّارين « 1 » والقدوريين والغضّارين ، ومن يطبخ الآجرّ ، وغرضهم في ذلك تقييد الصورة في الهيولى ، وثباتها فيها لئلّا تنسلّ منها الصورة بالعجلة ، لأن من شأن الهيولى دفع الصورة عن ذاتها ، ورجوعها إلى حالها الأول جوهرا بسيطا لا تركيب فيه ، ولا كميّة ولا كيفيّة ، ومن الصنّاع من يستعمل النار في موضوعه ومصنوعه كالطبّاخين والشوّائين والخبّازين وأمثالهم ، وغرضهم تتميمها وتنضيجها ليتمّ الانتفاع بها . فصل في مراتب الصناعات واعلم يا أخي بأن من هذه الصنائع ما هي بالقصد الأول دعت الضّرورة إليها ، ومنها ما هي تابعة لها وخادمة ، ومنها ما هي متمّمة لها ومكمّلة ، ومن الصنائع ما هي جمال وزينة . فأما التي بالقصد الأول فثلاثة ، وهي الحراثة والحياكة والبناء ؛ وأما سائرها فتابعة وخادمة ومتمّمة ، وذلك أن الإنسان لما خلق رقيق الجلد عريانا من الشعر والصوف والوبر والصّدف والريش ، وما هو موجود لسائر الحيوان ، دعته الضّرورة إلى اتخاذ اللّباس بصناعة الحياكة ؛ ولما كانت الحياكة لا تتمّ إلّا بصناعة الغزل ، وصناعة الغزل لا تتمّ إلّا بصناعة الحلج ، فصارت هذه الثلاثة تابعة لها وخادمة . وأيضا لما كان اللّباس لا يتمّ إلّا بالحياكة حسب ، صارت صناعة الخياطة والقصارة « 2 » والرّفو والطّرز متمّمة لها ومكمّلة . وأيضا لما خلق الإنسان محتاجا إلى القوت والغذاء ، والقوت والغذاء لا يكونان إلّا من حبّ النبات وثمر الشجر ، دعت الضّرورة إلى صناعة الحراثة والغرس ؛ ولما كانت صناعة الحراثة
--> ( 1 ) الجرّارين : صناع الجرار وبائعوها ، جمع الجرة . ( 2 ) القصارة : حرفة القصار ، وهو الذي يدق الثياب ويبيّضها .